الثوب الدجني

وتختار السيدة الدجنية ألوان الحرير للتطريز بعناية، وتختار العروق من بين مجموعة كبيرة من الأشكال والتصاميم الهندسية... فالعِرْق هو عنوان الفرح والسعادة في الثوب. ومن هذه العروق: السنبلة والتفاحة والنخيل والسرو والعنب واللوزة والوردة والنفنوف.

مقابلات مع سيدات من بيت دجن

 

كان ثوب بيت دجن وما يزال من أبرز الملامح في حياة أهل البلدة، وكان أحد عنوانات بيت دجن التي تميزها عن سواها، ودليلاً على مهارة المرأة الدجنية ورمزاً لإبداعها الذي كثيراً ما افتخرت به. وظل هذا الثوب حديث الكثيرين في الجلسات والسهرات والأعراس قبل النكبة وبعدها، في بيت دجن وغيرها من قرى فلسطين وبلداتها ومدنها.

 

وللثوب الدجني سمات عرفتها نساء فلسطين، فنمط التطريز ونوع العروق وأشكال القَبّة وكثافةُ خيط الحرير ولونه تميز الثوب الدجني عن الأثواب في المناطق الفلسطينية الأخرى التي اشتهرت بالتطريز.

 

كانت لقاءات مؤلف الكتاب مع السيدات اللواتي لم يَخْبُ ولعهن بالثوب الدجني، ولم يتراجع اهتمامهن به خياطة وتطريزاً وتطويراً وحفظاً، تــُظْهِرُ بوضوح تشبّثهن بأهداب بيت دجن وإصرارهن على أن يدوم هذا الإبداع الجمالي التراثي المميز. فأثواب بيت دجن ليست مجرد قطع قماشية عليها مساحات مطرزة، بل هي قطع من بيت دجن نفسها، بقيت في الحفظ والصون بعد أن ضاع البيت وضاعت البيارة ولم يبق إلا المفاتيح! فالسيدة التي تمتلك ثوباً دجنياً سواء طرزته قبل النكبة أو بعدها، تفتخر بهذا الثوب، وتسرد حكاية تطريزه وكيفية حفظه، وكأنما تتحدث عن قطعة من الروح.

 

ولا بد لكل بيتٍ دجنيٍّ أن يفتخر بوجود ثوبٍ دجنيّ يحتفظ به كالكنز الثمين، غير قابل للمساومة أو البيع، ولو مقابل شيك على بياض كما عُرض على بعض السيدات. وكثيراً ما كنا في صغرنا في عمّان، نراقب النساء يُمضين أوقاتاً طويلة يُطرّزن الثوب الدجني والنعاني الأبيض والأسود على مدى أسابيع وأشهر وهن يشرحن لنا أنواع الحرير والقماش والماركة وأسماء العروق وأجزاء الثوب المختلفة. وما تزال نساء بيت دجن يرتدين الثوب الدجني في المناسبات الخاصة كعرس الابن أو الأخ، وفي الأعياد وحفلات النجاح في المدرسة والجامعة.

 

ومن يبحث عن مادة تاريخية أو ثقافية أو اجتماعية حول بيت دجن، سيعثر على كمّ هائل من المعلومات حول ثوب بيت دجن، تتناول أدق التفاصيل عن الثوب وأجزائه وأنواع خيوطه وأسماء عروقه، والمعاني الكامنة خلف ألوانه.

 

ومن العوامل التي أدت إلى استمرار الاهتمام بثوب بيت دجن وغزارة ما نُشر عنه، أنه ما يزال مَعَنا وبيننا، فهو سجل حي لتراث لا يندثر. وتأبى السيدات اللواتي تعلَّمن خياطة ثوب بيت دجن حين كنّ فتيات في مقتبل العمر إلا أن يحتفظن بثياب زاد عمرها على ستة عقود، كما أنهن يقمن بتعليم هذه المهارة لبناتهن وحفيداتهن وطالبات مدارس التطريز ومراكزه، مما أسبغ على هذه المهارة صفة الديمومة والاستمرارية. كما أن اهتمام بعض الأشخاص من العرب وغير العرب بالتراث الفلسطيني أسهم في حفظ الثوب الدجني في متاحف جنباً إلى جنب مع أثواب بيت لحم والخليل ورام الله وبيت جالا ولفتا ونابلس وغيرها، وقام بعضهم بإنشاء مراكز لتعليم التطريز وحفظ التراث مثل الجمعية الخيرية لرعاية الأسرة، التي تأسست عام 1969، وأوْلت اهتماماً خاصاً للأثواب الفلسطينية وتجديدها وتطويرها وحفظ القديم منها، وأصدرت الجمعية كتباً ومنشورات حول الثوب الفلسطيني ظهر فيها بوضوح جمال ثوب بيت دجن وغناه(1). وهناك أيضاً مركز التراث الشعبي الفلسطيني التابع لجمعية إنعاش الأسرة في البيرة الذي تأسس عام 1972 والذي اهتم كذلك بحفظ التراث الفلسطيني في المجالات كافة، وخاصة الثياب الشعبية(2).

 

يقول الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا على غلاف كتاب التطريز الفلسطيني: يحق للفلسطينيين أن يفاخروا العالم بتطريز الأثواب النسائية على نحو متميز يُعَبِّرُ عن شخصية متفردة برؤيتها للأشكال والألوان، بقدر ما هي متفردة برؤيتها للتجربة الإنسانية.. وفي هذا الفن من الرقة والرهافة والتنويع ما يدهشنا اليوم بأصالته، وإنه بمجمله يمثّل فرحاً بالحياة وإقبالاً عليها، وتجاوباً معها. إن هذا التطريز فن أبدعه حب عارم لكل ما هو حيّ(3).

 

كل ثوب دجني ينطوي على قصة تسردها المرأة التي قامت بتطريزه؛ متى بدأت التطريز؟ وكم كان عمرها آنذاك؟ ومن ساعدها على إنجازه؟ وكيف اختارت الألوان والعروق؟ وهل طرزته لعرسٍ أم لغيره؟ وفي أي المناسبات قامت بارتدائه؟

 

كما أنّ وراء ثوب بيت دجن تاريخاً وفناً وأصالةً، وقد اشتملت المقابلات مع السيدات اللواتي قمن بتطريز الثوب، على مادةٍ تراثيةٍ تعود بالذاكرة ألى ستة عقود أو سبعة، ولا بدّ من الإشارة إلى أَنَّ الثوب الفلسطيني يجب أن ينظر إليه هذه الأيام كأداة للمقاومة، لأنه حفِظَ التراث وأبقى الذكريات حاضرة بيننا(4).

 

كانت المرأة الدجنية تطرز الثوب لنفسها أو لإحدى قريباتها، ثم أصبح الثوب رمزاً تراثياً متداولاً وقابلاً للبيع والشراء، وأصبح يُعرض في متاحف ثابتة ومتنقلة. وكانت الباحثات العربيات والأجنبيات المهتمات بالتطريز يقمن بالاستعانة بسيدات بيت دجن اللواتي اشتهرن بتطريز الثوب مثل السيدة رقية مصطفى عباس حمودة (أم إبراهيم) زوجة محمد سعيد إبراهيم السنتريسي، التي برعت بالتطريز منذ طفولتها في بيت دجن. فقد طلبت المساعدة منها انتصار الفرخ من يافا، وسعدية الجابري زوجة وصفي التل، للتعرف على أصول الأثواب الفلسطينية المعروضة في متحف المدرج الروماني في عمّان، أيام كان الثوب الدجني يباع بخمسة دنانير فقط، واليوم يصل سعره إلى ثمانمائة دينار. كما التقت أم إبراهيم بوداد قعوار الرائدة في حفظ تراث التطريز الفلسطيني، حيث كانت أم إبراهيم تقوم بحياكة الأثواب وتطريزها لوداد. والتقت أيضاً شيلا وير عام 1971 التي اقتبست في كتبها العديدة، كثيراً من أعمال أم إبراهيم وخبراتها. كما قابَلَتْ شيلا أيضاً السيدات اللواتي أسسن جمعية رعاية الأسرة، ونشرت كتابين حول التطريز الفلسطيني تــَضَمَّنا أعمال أم إبراهيم في التطريز والحياكة.